نور السلاوي… فارسة تفتح آفاقًا جديدة

منذ أولى جولاتها على ظهر بغلٍ في جبال الأطلس إلى مشاركتها في دورة الألعاب الأولمبية بباريس سنة 2024، قطعت نور السلاوي، المولودة بالدار البيضاء في 21 يناير 1995، مسيرة استثنائية. وبصفتها أول فارسة من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تشارك في منافسات الفروسية الثلاثية في الألعاب الأولمبية، فتحت الطريق أمام حضور عربي وإفريقي في هذه الرياضة الصعبة. ولم تثنِها إصابتُها بكسر في الظهر، قبل أسابيع قليلة من أولمبياد باريس، عن تحقيق حلمها.

واليوم، تواصل مشاركاتها في أكبر المنافسات الدولية، واضعة نصب عينيها هدفًا جديدًا: دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 2028. وبين منافسة وأخرى، تتحدث نور السلاوي عن بداياتها، ومتطلبات رياضة الفروسية الثلاثية، والقيم التي تعلمتها من الخيل.

من أين بدأت علاقتكم بالخيل؟

لم أنشأ في أسرة تمارس الفروسية. كانت بداياتي على ظهر بغل، ثم على ظهر حصان، في سهول الأطلس بالمغرب. وبعد ذلك انضممت إلى نادٍ للفروسية في الدار البيضاء، وهناك تعلمت حب الخيلِ وتقديرَها. كنت أحلم دائمًا بأن تصبح الفروسية مهنتي، لكنني لم أكن أعرف كيف أحقق ذلك، فظننت أنها ستظل مجرد هواية. أما شغفي بالفروسية الثلاثية فجاء لاحقًا، عندما كنت في طريقي إلى جامعة وارويك بمدينة كوفنتري في إنجلترا، حيث كنت أدرس العلوم السياسية والعلاقات الدولية. ومنذ ذلك الحين، سارت دراستي ومسيرتي الرياضية جنبًا إلى جنب.

 أنت متخصصة في الفروسية الثلاثية. ماذا تتضمن هذه الرياضة؟

الفروسية الثلاثية تجمع ثلاث مسابقات في منافسة واحدة. تبدأ بالترويض الذي يقيس دقة الأداء ومدى الانسجام بين الفارس والحصان، ثم سباق اختراق الضاحية، الذي يختبر الشجاعة، والقدرة على التحمل، والثقة عند تجاوز الحواجز الثابتة في تضاريس متنوعة، وأخيرًا قفز الحواجز، الذي يقيس المهارة والهدوء بعد المجهود الكبير الذي يتطلبه سباق الضاحية. إنها رياضة متكاملة بكل معنى الكلمة، لأنها لا تتسامح مع أي ضعف، سواء كان بدنيًا أو ذهنيًا. وقد اخترتُها لأنها تستخرج أفضل ما لدي: دقة الترويض، وجرأة سباق الضاحية، وتركيز قفز الحواجز، وهي متطلبات تنسجم تمامًا مع الطريقة التي أحب أن أعمل بها.

نور السلاوي وكاش خلال مسابقة قفز الحواجز في دورة الألعاب الأولمبية بباريس 2024 . الصورة تيلي بيرندت.

ما الصفات التي تتطلبها هذه الرياضة، سواء من الفارس أو من الحصان؟

يحتاج الحصان إلى الشجاعة، والقدرة على التحمل، والثقة في مواجهة الحواجز، وإلى قدر كبير من الذكاء حتى يحسن توزيع جهده طوال المنافسة. أما الفارس، فيحتاج إلى الصلابة الذهنية نفسها، مع القدرة على الحفاظ على التركيز والدقة في الترويض، والحسم والهدوء في سباق الضاحية، والمهارة في قفز الحواجز، وقبل كل شيء، القدرة على التعامل مع ضغط المنافسة على مدى عدة أيام، من دون أن يتراجع مستوى الانضباط. وتظل الثقة المتبادلة بين الفارس والحصان أساس كل شيء؛ فهي شرط للسلامة، كما أنها مفتاح الأداء الجيد. وعندما تبلغ هذه الشراكة ذروتها، تصبح تجربة استثنائية بكل معنى الكلمة.

مثّلتم المغرب في أكبر المنافسات الدولية. ماذا يعني لكم حمل ألوان المملكة؟

إنها مسؤولية أعتز بها كثيرًا. فكوني أول فارسة من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تشارك في منافسات الفروسية الثلاثية بالألعاب الأولمبية، في باريس سنة 2024، لم يكن مجرد إنجاز شخصي، بل كان بداية طريق جديد. وفي كل مرة أحمل فيها ألوان المغرب، أفكر في كل من سيأتي بعدي، على أمل أن تجعل مشاركتي هذا الطريق أقصر وأسهل للأجيال المقبلة.

ماذا علمتك الخيل بعيدًا عن المنافسات؟

علمتني الخيل التواضع، بكل بساطة. فقد يستعد الإنسان لموسم كامل بأقصى درجات الجدية، ثم تأتي إصابة أو يمر الحصان بيوم صعب، فيتغير كل شيء. وقد عشت ذلك بنفسي قبل أولمبياد باريس 2024. علّمتني تلك التجربة أن أنهض من جديد، وأن أبدأ العمل مرة أخرى من دون مرارة، وأن أدرك أن الإنجاز الحقيقي يُبنى مع الزمن، لا بنتيجة واحدة. كما ذكّرتني بأهمية الإصغاء؛ فالحصان لا يخفي أبدًا ما يشعر به، لكن علينا أن نتعلم كيف نصغي إليه.

نور السلاوي وكاش خلال دورة الألعاب الأولمبية بباريس 2024 . الصورة ا اتحاد الدولي للفروسية .(FEI)

نور السلاوي وكاش خلال مسابقة قفز الحواجز في دورة الألعاب الأولمبية بباريس 2024 . الصورة تيلي بير دت. 

بعيدًا عن المنافسة، ماذا تضيف الفروسية إلى الشباب؟

سواء كان الهدف هو المنافسة في أعلى المستويات أو مجرد الاستمتاع بركوب الخيل، فإن الفروسية تعلم نوعًا خاصًا من الانضباط، يقوم على احترام شريك حي لا يستجيب للقوة أو لنزوات الإنسان، بل للثبات، والاتساق، والصبر. كما تمنح الشباب حسًا فعليًّا بالمسؤولية، من خلال رعاية الحيوان وتقديم احتياجاته على احتياجاتهم، وتعلِّمُهم كذلك الصمود أمام الإخفاق، لأن السقوط والأيام الصعبة جزء طبيعي من مسيرة التقدم. وهي قيم تتجاوز الرياضة بكثير.

ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الشباب الذين يحلمون بالسير على خطاك؟

أود أن أقول أولًا إنه لا يوجد طريق واحد يصلح للجميع، ولا جدول زمني يجب على الجميع الالتزام به. لكل شخص رحلته الخاصة، التي يبنيها خطوة بعد أخرى. واليوم، أصبحنا نقارن أنفسنا كثيرًا بمسارات الآخرين، التي تبدو أسرع أو أكثر نجاحًا، لكن ذلك لا يعني شيئًا. فقد بدأت رحلتي أنا على ظهر بغل في جبال الأطلس، من دون أي مشروع رياضي واضح، ولم تأت نقطة التحول إلا خلال سنوات الجامعة. ثم هناك أمر لا يقل أهمية: لا أحد ينجح بمفرده. فالنجاح يحتاج إلى فريق يحيط بك، وإلى أشخاص تثق بهم ويؤمنون بمشروعك، أحيانًا حتى قبل أن يتجسد على أرض الواقع. وأقول، على وجه الخصوص، للشابات المغربيات إن مكانتهن في هذه الرياضة لا تحددها نقطة البداية، بل المثابرة التي يواصلن بها السير. والأهم من ذلك كله، أنهن لسن مضطرات إلى خوض هذه الرحلة وحدهن.

سبتمبر 2026

مقالات أخرى

doré-beige
الدوري الملكي المغربي: عنوان التميز في الفروسية المغربية

الدوري الملكي المغربي: عنوان التميز في الفروسية المغربية

في غضون خمسة عشر عامًا فقط، رسخ الدوري الملكي المغربي مكانته بين أبرز مواعيد القفز…

المغرب: وجهة للرفاه والاستجمام

المغرب: وجهة للرفاه والاستجمام

من حمامات فاس التاريخية إلى قصور مراكش، ومن ينابيع مولاي يعقوب المعدنية إلى مراكز العلاج…