تُعدّ زهور الرايس أيقونةً من أيقونات القفطان المغربي، ومن بين المصمّمات اللواتي عرفن كيف يُطوّرن الخطوط والأساليب من دون التفريط في جوهر الحرفة وروحها. وكانت من أوائل المؤسِّسات لدار أزياء متخصّصة في القفطان، قبل أربعين عامًا، لتنسج منذ ذلك الحين مسارًا يجمع بين الأصالة والجرأة والحرص على التفاصيل. ولأنّها كانت ذات رؤية طليعيّة متبصّرة، فقد كانت من أوائل من حملوا القفطان المغربي إلى الساحة الدولية، ولا سيّما خلال عرض أزياء نظّمته الخطوط الملكية المغربية في مسقط سنة 1988. وهذا العام، تعود زهور الرايس لتفاجئ السّاحة مرّةً أخرى عبر اقتحام عالم الفنان الإسباني سلفادور دالي، مستلهمةً من منحوتاته مجموعةً تعيد ابتكار القفطان من خلال أشكال جديدة تجمع بين المعاصرة والعمقِ الفنيِّ والقدرة على الإدهاش.
من أين أتى شغفكِ بالخياطة؟
منذ طفولتي، كانت الخياطة حاضرة في حياتي اليومية. كان والدي خيّاطًا، وكانت والدتي تخيط لنا فساتين صغيرة، أمّا جدّتي من جهة الأم فكانت تمارس صنعةَ الكروشيه. في سنّ مبكرة جدًا، كنت أستمتع بتلبيس دمايَ ببقايا قطع القماش. وأتذكّر أنني طلبت من والدتي أن تصطحبني لتعلّم غرز الخياطة مع فتيات أخريات كنّ، مثلي، يكتشفن المهنة. كانت تجربة غذّت شغفي ورسّخته.
كنتِ من أوائل من غيّروا القواعد التقليدية للقفطان. من أين أتتك هذه الجرأة؟
كانت تحرّكني رغبة عميقة في تحديث القفطان، مع البقاء في الآن نفسه وفية للتقاليد. قبل أربعين عامًا، أردت أن أُثبت أن القفطان يمكن أن يكون أكثر من مجرّد لباس تراثي. واتّخذتُ اللعبَ على القواعد والألوان والخامات سبيلًا لتكريم هذا الإرث، ولجعله يساير زمنه في الآن نفسه.
كيف تعرّفين القفطان؟
بالنسبة إليّ، القفطان جزء من روح المغرب. يحمل في طيّاته حكايات الاحتفالات، والأعراس، وانتقال التقاليد داخل العائلات. لكل نقش، ولكل تطريز، ولكل تفصيل دلالتُه الخاصة. هذا الخطاب الصامت هو ما يمنحه فرادته. وما يلامسني عميقًا هو تنوّعه: فلكل مدينة بصمتها الخاصة (فاس، الرباط، مراكش، تطوان، طنجة…). القفطان رمز للأناقة، وعلامة قوية على هويتنا.
تدافعين عن قفطان مصنوع يدويًا بالكامل. لماذا هذا الخيار الذي تعتبرينه غير قابل للتفاوض؟
لأن جوهر القفطان هو الحِرَفِيّة المغربية. جمالُه يولد من يد المعلّم الذي، وإن لم يكن قد سلك مسارًا دراسيًا تقليديًا، يمتلك مهارة نادرة واستثنائية، تمكّنه من خلق عمل فني حقيقي. كلُّ غرزةٍ تحكي قصةً، وكلُّ تطريزٍ يجعل القطعة فريدة. في مساري الإبداعي، ليس الحرفيون مجرّد منفّذين، بل هم شركاء في الإبداع، بكلّ ما تحمله كلمة شراكة من معنىً. بفضل خبراتهم تتجسّدُ أفكاري. وبدونهم، يفقد القفطان روحه: أناملهم هي ما يحوّل المادة إلى إحساس.
معرضكِ “Dalí Diali-نسيج الحلم”، المعروض بالمتحف الوطني للحُليّ بالرباط، يحتفي بأربعين سنة من مسيرتكِ. كيف تنظرين إلى هذه القفاطين التي تعقد حوارًا مع منحوتات دالي: هل هي قطع مُتحفية أم أزياء احتفالية؟
لقد فكّرت في هذه القفاطين ضمن هذا المسار المزدوج: أعمال فنية يمكن أن تدخل المتحف، وهي في الوقت نفسه تصاميم خُلقت لتلبسَ في مناسبات استثنائية. كان مهمًا بالنسبة إليّ أن تتعرّف المرأة المغربية عليها فورًا كقفاطين حقيقية، وفية لإرثها ومعدّة للّبس. وفي الآن نفسه، صُمّمت كلُّ قطعة منها كمجسّمٍ نحتي، يمكن عرضه أيضًا في الفضاء المنزلي على دمية عرضٍ، بوصفه عملًا فنيًا. وهذا المعرض مرشّح بدوره للتنقّل، داخل أوروبا وخارجها، للإسهام في إشعاع الصَّنعة الحِرفيّة المغربية.
لو كان عليكِ أن تنقلي قيمة واحدة فقط من القفطان إلى الأجيال القادمة، أيُّ قيمةٍ ستحرصين على حمايتها في المقامِ الأوّل؟
من دون تردّد: أصالة الصنعة اليدويّة. القفطان ليس مجرّد هيئة أو شكل، بل هو وقت، ودقّة، وحساسية أيدي معلمين. كل غرزة تحمل إحساسًا، وكل تفصيل يكشف عن ذكاء اليد. وأن نحفظ هذه الحقيقة يعني أن نحافظ على تراث حيّ، وإنساني في عمقه.
تاريخ النشر : مارس 2026
حقوق الطبع والنشر © 2025 Adwebmaroc جميع الحقوق محفوظة