الرباط

الرباط، حين يصير التاريخُ مشهدًا

إنّ الرباط، مدينةُ الأنوار وعاصمة المغرب الثقافية، والمصنّفةُ منذ سنة 2012 ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو بوصفها «عاصمةً حديثة ومدينةً تاريخية»، تبسط سحرًا مميَّزًا، أرهفُ من أن يكون صاخبًا. هنا تتآلف المدينة العتيقة، والقصبة، والمعالم الكبرى، والمدينة الجديدة، والأحياء المعاصرة، في حكايةٍ واحدة، هادئة ومضيئة. إنّها عاصمةٌ تُسكتشَف على نحوٍ مختلف،  بما تظهرُه برفق، لا بما تفرضه من حضور.

دليلُنا

تقرأ الأستاذة إيمان بنّاني، وهي ابنةُ الرباط، مدينتَها على نحوٍ قلّ نظيره. هي معماريةٌ شغوفةٌ بمجال عملها، ودكتورة في الجغرافيا الحضرية، مولعةٌ بالتراث المغربي، ومنخرطةٌ بعمق في الدفاع عنه وتثمينه. ومن خلال هذا كلّه، تكشف ما في الرباط من توازنات، وطبقات موروثة، وتحوّلات، بقدرٍ نادر من الدقّة. وهي عميدةُ مدرسة الهندسة المعمارية بالرباط التابعة للجامعة الدولية بالرباط، وصاحبةُ كرسيّ اليونسكو «المشهد الحضري التاريخي»، ومديرةُ مختبر البحث في التعمير والتراث UIHlab. كما أسهمت، إلى حدّ كبير، في إعداد ملفِّ تصنيفِ الرباط ضمن التراث العالمي للإنسانية، الذي نال الاعتراف سنة 2012. وبرفقتها، نكتشف الرباط في عمقها، وانسجامها، وآفاقها غير المتوقّعة.

عاصمةٌ هادئة، وتوازناتٌ محكَمة

تقول إيمان بنّاني: «الرباط مدينة استثنائية: فهي عاصمة، ولكنّها أيضًا مدينة هادئة، تتنفّس وتُشعرك بأنّك تتنفّس معها، بفضل نسيجٍ حضريّ منسجم، يفسح المجال كاملًا للمشاة كما للمساحات الخضراء». وتدهش المدينة أيضًا بقدرتها على الجمع بين الأضداد دون أن ينتج عن ذلك تنافرٌ، بفضل توازنٍ رفيع بين الطبيعة والثقافة، وبين النبات والحجر، وبين التراث والتنمية، وبين التاريخ والمعاصرة.

تحوّلٌ متواصل بدون قطيعة

والرباط أيضًا حاضرةٌ تعرف تحوّلًا متواصلًا، مقصودًا ومحكومًا في الآن نفسه. فالمدينة تمضي إلى الأمام، وتتطلّع إلى المستقبل، وتستوعب المشاريع الحديثة، من غير أن تمحو ما هو قائم ولا أن تتخلّى عن ماضيها الذي تعتزّ به كثيرًا. وهنا تكمن إحدى أبرز قوّاتها: أن تتّجه نحو المستقبل «من غير قطيعة»، وأن تتيح للمرء أن يعبر سيرًا على الأقدام امتدادًا حضريًّا متصلًا، يبدأ من العصور الخوالي ليصل إلى عمارة القرن الحادي والعشرين.

شالة، حيث تتراكب الأزمنة

في شالة، يجاور العصرُ القديم القرنَ الثالث عشر. فآثار المدينة الرومانية تتحاور مع المقبرة الملكية المرينية، داخل موقعٍ مأهولٍ بالطبيعة، ويتجلّى فيه منذ الوهلة الأولى ما يميّز الرباط: ذلك السكون المتولّد من التحام التاريخ بالخُضرة. ثمّ ينفتح البصر على وادي أبي رقراق، وفي الأفق يلوح القرن الحادي والعشرون ممثّلًا في برج محمد السادس والمسرح الكبير للرباط. وإنّ أبي رقراق ليس مجرّد نهر، بل هو وصلةٌ حضرية فعليّة بين الرباط وسلا، وفضاءٌ للتنفّس والتنزه، تختصر فيه نسمات البحر، وجمال المشاهد، وحيوية الضفاف، كلّ وداعة ولطف العيش على النمّط الرباطي.

المدينة العتيقة: وراء المتاهة، انسجامٌ خفي

وتتواصل الزيارة داخل المدينة العتيقة للرباط. في البدء، لا يرى الزّائر سوى متاهةٍ من الأزقة، غير أنّ نظامًا دقيقًا يبدأ في التجلّي شيئًا فشيئًا، كما تبيّن إيمان بنّاني، من خلال تدرّج الشوارع ووظائفها الحضرية. وخلف الجدران البيضاء البسيطة تختبئ بيوتٌ ورياضاتٌ وفنادقُ قديمة، كثيرًا ما تكون أغنى زخرفةً ممّا يُتوقّع. وبعد المدخل المائل، يفاجئكم صحنٌ داخلي منفتح على السماء، وعمارةٌ تدعو إلى التأمّل. فالأقواس، ونحت الحجر، وصنعة الخشب، والحديد المشغول، تتآلف كلّها في بناءٍ يحمل بصمةً موحّدية تتجلّى في جمالٍ متحفّظٍ. ثمّ تعود الألوان والحيوية إلى الواجهة في شارع القناصل، بين الزرابي، والتطريز، وسائر روائع الصناعة التقليدية المحلية.

قصبة الأوداية: عند أصول الرباط

وبينما يصعد الزّائرُ الطّريق نحوَ الأوداية، ينكشف له المهدُ الأول للرباط: رباط الفتح، أي «حصن النصر»، الذي هيّأه السلطان الموحّدي يعقوب المنصور في أواخر القرن الثاني عشر. وقد شكّل النواةَ المؤسسة التي انطلقت منها المدينة، في إحالةٍ رمزية إلى الفتوحات الأندلسية. ومنه أيضًا ورثت الرباط طموحَ أسوارها الكبرى، والمسجدَ الذي لم يبقَ منه اليوم سوى صومعة حسان، شقيقة الخيرالدا في إشبيلية والكتبية في مراكش. وفي أزقّة القصبة الضيقة، يهيمن الأبيض والأزرق اللّذين يذكرانِ بالمرحلة التي قدِم فيها الموريسكيون من الأندلس في القرن السابع عشر، وكان من بينهم من صاروا قراصنةً ذائعي الصيت. وهذا التداخل في التاريخ هو ما يمنح القصبة هويتها المتفرّدة.

شرفةٌ بين النهر والمحيط

ثمّ، فجأة، ينفتح الفضاء. فعند ساحة السيمافور، تصير القصبة شرفةً عالية تطلّ على المشهد. وعلى ارتفاع يناهز ثلاثين مترًا، يمتدّ البصر على أبي رقراق، والمحيط، والمدينة العتيقة بسلا في الجهة المقابلة. إنّها فسحةٌ آسرة في قلب المدينة. هنا يتباطأ الزمن: شايٌ بالنعناع، وبعضُ الحلوى، ومشهدٌ استثنائي، وسحرُ المقهى الموريسكي… كلّ شيء يدعو إلى التأمّل. وهكذا تمنح قصبة الأوداية، بما تجمعه من تاريخ، ومشاهد، وأُلفةٍ، وجهًا من أكثر وجوه الرباط شاعريةً ورمزية.

المدينة الجديدة: حداثةٌ تراعي الماضي

مع مطلع القرن العشرين، دخلت الرباط طورًا جديدًا من تاريخها. فقد برزت فيها ملامح عمرانٍ طلائعيٍّ، من موروث فترة الحماية الفرنسية، صيغ في منطق الاستمرار مع التاريخ لا في منطق القطيعة معه. فالحدائق والبساتين والجادات العريضة المظلّلة ترسم معالم مدينة-حديقة بكلِّ معاني الكلمة، مدينةٍ صُممت في تناغمٍ مع التضاريس، والمشاهد، وخطوط المنظور، بما يصل بين الأحياء المختلفة في انسجام، ويبرز في الآن نفسه الأسوار والمعالم التاريخية. إنّه عمرانٌ مشهديّ وبانوراميّ، تعقد فيه الحداثة حوارًا أنيقًا مع الإرث التاريخي. 

حوارُ الأساليب

ويمتدّ هذا التصوّر إلى العمارة نفسها. فقد غدا وسطُ المدينة في القرن العشرين أشبه بمتحفٍ مفتوح، يعرض عمارةً تجمع بين الحداثة والحِرفية التقليدية، وتمثّل أبرز أساليب التراث الحديث: الكلاسيكي الجديد، والآرت نوفو، والآرت ديكو، والطراز النيو-مغربي، والحداثة، وكلّها مشفوعة ببصمة الصنّاع المغاربة. فالواجهات تمزج بين الأقواس والزخارف التقليدية والأشكال الحديثة. وفي المدينة الجديدة أيضًا، من صومعة حسان، وهي تحفة موحّدية، إلى ضريح محمد الخامس، وهو خلاصة العمارة العلوية، تتحاور القرون في استمرارية لافتة. وهكذا تؤكّد الرباط بصمتها الخاصة: مدينةٌ في طور التشكّل الدائم، تستمدّ غذاءها من تاريخها.

زخمٌ معاصر

تؤكّد المدينة اليوم زخمها المعاصر من خلال أحياء جديدة، وهيئات عمرانية حديثة، ومشاريع تتّجه إلى المستقبل. فالملعب، والمباني الحديثة، والمراكز التجارية، تندمج طبيعيًّا في المشهد، داخل مدينة تتخلّلها المتنزّهات وتحيط بها أحزمة خضراء. وعلى الكورنيش الذي أُعيدت تهيئته، حيث يحلو أن يُختتم النهار، يتحاور حصن هيرفي مع بنايات جديدة تبدو كأنّها ترقص على حافة الماء.

ولعلّ الرباط تتجلّى بأبهى صورة في تلك الساعة التي تميل فيها الشمس إلى الغروب، حين تنضاف أضواء المدينة لتزيد معالمها بهاءً: عاصمةٌ هادئة ومنسجمة، أدركت أنّ الحداثة الأصدق ليست تلك التي تمحو ما سبقها، بل تلك التي تنيره على نحوٍ جديد.

عناوينُ إيمان بنّاني

أماكن لتناول الطّعام والاستمتاع بالشاي

زرياب: في قلب المدينة العتيقة، عنوانٌ يمدّ تجربة الرباط التاريخية بقدرٍ من الأناقة والتهذيب.

دينارجات: في أجواءٍ تقليدية، طريقةٌ جميلة لتذوّق فنّ العيش المغربي.

المرسى: مكانٌ مضيءٌ يكشف المشهد الحضري للرباط على اتّساعه.

دار الكرم فاطمة: في الأوداية، استراحةٌ هادئة وخفيّة، بين الأفق، والبساطة، وذاكرة المكان.

المقهى الموريسكي: كلاسيكيّ، لا بدّ من زيارته، يكفي فيه كأسُ شايٍ أمام أبي رقراق لالتقاط كلّ شعرية الرباط.

 

أماكن للإقامة

ماريوت الرّباط: في أكدال، تجربةٌ لعيش الرّباط اليومية النّابضة.

ترمينوس: في قلب المدينة، مدخلٌ إلى رباط القرن العشرين، بين المحطّة، والشوارع التاريخية الكبرى، والمشاهد الحضرية.

فيرمونت مارينا الرّباط سلا: عنوانٌ مدهش لاحتضان النهر وقراءة الرباط في امتدادها المشهدي كلّه.

كونراد الرباط أرزانا: إلى الجنوب قليلًا، فسحةٌ هادئة لاستعادة البعد البحري والمضيء للعاصمة.

فندق قصر البحر فور سيزنس الرّباط: مكانٌ استثنائيّ يلتقي فيه التاريخ، والتراث، والانفتاح على البحر.

The View Rabat:  محطةٌ لاكتشاف حيّ الرياض وتجليات رباطٍ معاصر ونابض بالحركة.

Date publication Mai 2026

Autres articles

doré-beige