في هذا الصيف، تبدو نيويورك، أكثر من أي وقت مضى، مركز العالم. فبعد أن استضافت عددًا من أبرز مباريات كأس العالم 2026، لاسيما المواجهة التي كان ينتظرها الجميع، بين المغرب والبرازيل، واصلت المدينة فرضَ نفسها قلبًا نابضًا للبطولة باحتضانها مباراة نصف النهائي ثم الحدث الأبرز: المباراة النهائية على ملعب «ميتلايف». ويضفي هذا الحدث التاريخي على نيويورك حيوية استثنائية لا تزيد إلا من الطاقة الفريدة التي تميز المدينة خلال هذا الفصل. لكن، بعيدًا عن كرة القدم، تبقى نيويورك مدينة لا نظير لها؛ مدينة تجتمع فيها المتاحف العالمية، والأحياء الشهيرة، والعناوين الإبداعية الجديدة، والشرفات المفتوحة ذات الإطلالات المذهلة، والشواطئ الحضرية، وأفق عمراني يُعدّ من الأروع في العالم.
لعل الصيف هو الفصل الذي تكشف فيه نيويورك عن أكثر وجوهها سخاءً. فالمقاهي والمطاعم تمتد بشرفاتها إلى الأرصفة، والأسواق تملأ الساحات العامة، والحفلات الموسيقية المجانية تتكاثر، ودور السينما تنتقل إلى الهواء الطلق، فيما يستعيد السكان الحدائق والأرصفة الممتدة على ضفاف الأنهار. ويبدو أن المدينة تُبطئ إيقاعها قليلًا من دون أن تفقد شيئًا من حيويتها. أما الأمسيات الطويلة فتدعو إلى اكتشاف الأحياء سيرًا على الأقدام، وعبور الجسور عند الغروب، أو التمهل على ضفاف نهر هدسون والنهر الشرقي.
بمساحتها التي تبلغ 340 هكتارًا، لا تُعدّ سنترال بارك مجرد حديقة، بل وجهة قائمة بذاتها. ففي الصيف يمكن استئجار دراجة، أو التجول في البحيرة بقارب صغير، أو حضور عرض من مسرحيات شكسبير، أو الاستمتاع بالحفلات المجانية التي يحتضنها مهرجان «سمرستيج»، أو قضاء نزهة على العشب في “غرايت لون”. وعلى بُعد دقائق قليلة فقط من ناطحات السحاب في ميدتاون، يفصح المكان عن أحد أكثر المشاهد تناقضًا وإدهاشًا في نيويورك.
لا تكاد مدينة أخرى تجمع هذا القدر من الثقافات المختلفة في فضاء واحد. فلكل حيّ شخصيته المميّزة وأجواؤه الفريدة. في غرينيتش فيليدج، الحي البوهيمي في مانهاتن، تستحضر الشوارع المظللة بالأشجار والمنازل المبنية من الآجر صورة نيويورك الأكثر حميمية. أما في سوهو، أحد أكثر أحياء الجنوب حيوية وأناقة، فتجذب متاجر المصممين، والمعارض الفنية، والمقاهي الراقية عشاق الذوق الرفيع. وفي بروكلين، تستقطب شوارع ويليامزبرغ النابضة بالحياة وإطلالات بروكلين هايتس الخلابة الزوار من كل حدب.
وعند الغداء، يمكن الجلوس في مطعم «بالتازار»، أحد أشهر العناوين ذات الروح الفرنسية-النيويوركية في سوهو، أو اكتشاف الأجواء الحيوية لمطعم «كاتز ديليكاتيسن» في لوور إيست سايد، أو تذوق النكهات الإيطالية في مطعم «ليليا» ببروكلين. فلكل حيّ في نيويورك أجواؤه الخاصة، وسحره المميز، وعناوينه التي لا تُنسى.
أصبح «الهاي لاين»، المعلّق فوق شوارع غرب مانهاتن، واحدًا من أجمل المسارات الحضرية في العالم. فهذا الخط الحديدي القديم، الذي تحوّل إلى حديقة معلّقة، يتيح إطلالات غير مألوفة على المدينة، وعلى نهر هدسون، وعلى العمارة المعاصرة التي أعادت تشكيل ملامح الحي. ويقود الزائر بصورة طبيعية إلى حي تشيلسي الفني، بما يضمه من معارض وعناوين إبداعية جديدة.
قلّما تجد مدينة تستطيع منافسة نيويورك في المجال الثقافي. فمتحف المتروبوليتان للفنون، ومتحف الفن الحديث (MoMA)، ومتحف غوغنهايم، ومتحف ويتني، ومجموعة فريك، تدعو الزائر إلى عبور قرون من الإبداع الفني. وفي تشيلسي، تقدِّم مئاتُ المعارض صفوةَ ما ينتجه الفن المعاصر العالمي. كما تسهم المؤسسات الفنية الخاصة والفضاءات البديلة في بروكلين في ترسيخ مكانة نيويورك بوصفها واحدة من أكثر العواصم الفنية تأثيرًا في العالم.
ما تزال نيويورك إحدى العواصم العالمية الكبرى للموضة. فعلى طول ماديسون أفينيو والجادة الخامسة ومتاجر سوهو الفاخرة، تتجاور دور الأزياء الراقية مع المتاجر المفهومية، وعلامات المصممين الشباب، ومتاجر التصميم. ويقصد عشاق الديكور والتصميم حي نوماد، الواقع شمال ماديسون سكوير بارك، أو حي تريبيكا (المثلث الواقع تحت شارع كانال)، بينما يتجه المهتمون بالموضة إلى ويليامزبرغ أو لوور إيست سايد، حيث تولد غالبًا الاتجاهات الجديدة التي منها يستلهم بقية العالم.
لعل أفضل طريقة لفهم نيويورك هي تأملها من بعيد. فمن على متن عبَّارة تسير على نهر هدسون أو النهر الشرقي، تكشف المدينة عن هويّتها البصرية القوية. فالأبراج الحديثة في هدسون ياردز، وبرج وان وورلد تريد سنتر المهيب، والأبراج فائقة الرّهافة في «صف المليارديرات»، تشكّل جميعها مشهدًا عموديًا فريدًا. كما توفر منصات المراقبة في «سَمِت وان فاندربيلت» و«إيدج» و«وان وورلد أوبسرفاتوري» إطلالات تخطف الأنفاس.
وبعيدًا عن الصور النمطية، تُعدّ نيويورك كذلك وجهة شاطئية. فمع حلول الأيام الجميلة، يتجه السكان إلى شاطئ روكواي في كوينز، المفضل لدى راكبي الأمواج في المدينة، أو إلى كوني آيلاند في بروكلين، المشهور بممشاه الحيوي وأجوائه ذات الطابع الكلاسيكي. وهناك طريقة أخرى لاكتشاف المدينة، حيث يلتقي الرمل بالمحيط وبالأفق العمراني الشهير.
عندما تغرب الشمس، تتحول الأسطح المفتوحة إلى أجمل شرفات في المدينة. فمن «ويستلايت» في ويليامزبرغ إلى الأسطح المنتشرة في ميدتاون، تتيح هذه الفضاءات إطلالات استثنائية على أضواء مانهاتن. وربما كان هذا أفضل مكان للاحتفاء بآخر أمسية في نيويورك. فبينما تبدأ ناطحات السحاب في التلألؤ تباعًا، تكشف المدينة عن وجه آخر لها: وجه الحاضرة النابضة التي يبدو فيها كل مساء وعدًا بحكاية جديدة. ومن نوادي الجاز في غرينيتش فيليدج إلى عروض برودواي، ومن الحانات الخفية في إيست فيليدج إلى الشرفات المطلة على تايمز سكوير، تكشف المدينة عن إمكانات لا حدَّ لها. وعندما يهمّ الزّائر بترك نيويورك، تستقرّ في نفسه حقيقة واحدة: إنّها ليست مدينة تُزار فحسب، بل مدينة تُعاش، وتخلّف في النّفس رغبةً حارقةً في العودة.
يوليو 2026
مجلة سفر، مجلة الخطوط الملكية المغربية، تدعوكم إلى اكتشاف المغرب وإفريقيا والعالم، من خلال الوجهات والثقافات والمواهب وأساليب السفر الجديدة.
حقوق الطبع والنشر © Passeport Media. جميع الحقوق محفوظة